ابن أبي الحديد
203
شرح نهج البلاغة
ولا حابسا عطاء ، ولا مجمرا ( 1 ) بعثا ، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون ، وكهفكم الذي إليه تأوون ، ومتى يصلحوا تصلحوا ، فلا تشربوا قلوبكم بغضهم ، فيشتد لذلك غيظكم ، ويطول لذلك حزنكم ، ولا تدركوا حاجتكم ، مع أنه لو استجيب لأحد منكم لكان شرا لكم . أسال الله أن يعين كلا على كل . وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الامر فأنفذوه على أذلاله ( 2 ) . وأيم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة ، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي . فقام عبد الله بن الأهتم فقال : أشهد أيها الأمير ، لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب . فقال : كذبت ، ذاك نبي الله داود . فقام الأحنف فقال : إنما الثناء بعد البلاء ، والحمد بعد العطاء ، وأنا لا نثني حتى نبتلى ، ولا نحمد حتى نعطى . فقال زياد : صدقت فقام أبو بلال مرداس بن أدية يهمس ويقول : أنبأنا الله بغير ما قلت ، ( فقال ) : ( وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر أخرى ) ( 4 ) ، فسمعها زياد فقال : يا أبا بلال ، إنا لا نبلغ ما نريد بأصحابك حتى نخوض إليهم الباطل خوضا ( 5 ) . * * * وروى الشعبي : قال : قدم زياد الكوفة لما جمعت له مع البصرة ، فدنوت من المنبر لأسمع كلامه ، فلم أر أحدا يتكلم فيحسن إلا تمنيت أن يسكت مخافة أن يسئ ، إلا زيادا فإنه كان لا يزداد إكثارا إلا ازداد إحسانا ، فكنت تمنى إلا يسكت .
--> ( 1 ) تجمير الجند : أن يحسبهم في أرض العدو ويحسبهم عن العود إلى أهلهم . ( 2 ) على أذلاله ، على طرقه ووجوهه ، واحده ذل ، وهو ما ذلل ومهد من الطريق . ( 3 ) من البيان . ( 4 ) بعدها في البيان : ( وأنت تزعم أنك تأخذ البرئ بالسقيم ، والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر ) . ( 5 ) الخطبة رواها الجاحظ في البيان والتبيين 2 : 61 ، وهي أيضا في عيون الأخبار 2 : 241 ، ونوادر القالي 1 : 185 ، والطبري ( حوادث 45 )